ابن أبي الحديد
183
شرح نهج البلاغة
وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة ، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد ، ويتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده ، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله . ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها ! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ، ولم يتحفظ منها . وكان الأحسن أن يقول : " مغمور " أو " مغلوب بالمرض " ، وحاشاه أن يعنى بها غير ذلك ! ولجفاة الاعراب من هذا الفن كثير ، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط : رب العباد ما لنا وما لكا ! * قد كنت تسقينا فما بدا لكا ! أنزل علينا القطر لا أبا لكا ! فقال سليمان : أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد ، فأخرجه أحسن مخرج ( 1 ) . وعلى نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبي صلى الله عليه وآله : ألم تقل لنا : ستدخلونها ، في ألفاظ نكره حكايتها ، حتى شكاه النبي صلى الله عليه وآله إلى أبى بكر ، وحتى قال له أبو بكر : الزم بغرزه ( 2 ) ، فوالله إنه لرسول الله . وعمر هو الذي أغلظ على جبلة بن الأيهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة ، بل مفارقة دار الاسلام كلها ، وعاد مرتدا داخلا في دين النصرانية ، لأجل لطمة لطمها . وقال جبلة بعد ارتداده متندما على ما فعل : تنصرت الاشراف من أجل لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر ! فيا ليت أمي لم تلدني وليتني * رجعت إلى القول الذي قاله عمر * * *
--> ( 1 ) الخبر في الكامل 7 : 145 بشرح المرصفي ( 2 ) الغرز في الأصل : ركاب الرحل ، وفى الكلام استعارة ، والمراد هنا : اتبع قوله .